عفيف الدين التلمساني

248

شرح مواقف النفري

فإن النية لم تتعلق في التلاوة بالرحمن ولو كان التعلق إنما هو بالرحمن لكان هذا هو القسم الشريف . وأما قوله لأجل المحامد والثناء فلذلك قال بلغ أقصى همك إلى الاجتهاد ، لكن الاجتهاد إنما يقل لعجز المجتهد عن أن يأتي بما هو الثناء الصحيح . وهنا أسرار ، وإذا كان ذلك كذلك فذلك الليل ليل النيام وإن لم يناموا . بقي القسم الذي قال فيه بلى من كان لي ليله ، وهؤلاء قوم أطلعهم الحق تعالى على مبالغ العباد في ليل كانت عبادتهم أو نهار فهم كما ذكر عنهم . قوله : ( وقال لي : كيف تنظر إلى السماء والأرض وكيف تنظر إلى الشمس والقمر وكيف تنظر إلى كل شيء كان منظورا لعينيك أو كان منظورا لقلبك وذاك أن تنظر إليه باديا مني وهو أن تنظر إلى حقائق معارفه التي تسبح بحمدي وتقول : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) . قلت : هذا إرشاد له إلى كيفية نظره إلى هذه الأشياء ، فإن شهدها تسبح بحمده وتقول : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » فهو النظر الصحيح والمراد أن ينبه أن محامد الخواص للّه تعالى وثناؤهم عليه إنما هو أن يشهدوا كل شيء يسبح بحمده تعالى ويقول : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » لا أن يثنوا على اللّه تعالى بألسنتهم بما بلغهم من أسمائه تعالى عن أهل النقل والعقل . واعلم أن هذا الواقف قد تكررت عليه التنزلات في إثبات معنى : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » . وذلك لأن هذه الآية هي التي تليق أن يثنى بها على اللّه تعالى ، فإنها نزلت من حضرة الإطلاق الحقيقي وعلى مقتضى الإطلاق الحقيقي بخلاف بقية صفاته تعالى . فإن الاسم الرازق مثلا إنما هو اعتبار بحسب المرزوق ، والخالق اعتبار بحسب المخلوق ، فإذا تتبعت الأسماء الإلهية وجدت لها تعلقا بصفات المخلوقين بخلاف قوله : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » فإن نفي الشيئية تسريح وتصريح بالإطلاق . فإن قلت هل الكاف زائدة فالجواب نعم . ثم إن حاصل معنى قوله : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » في نظر الأولياء أنهم ظفروا بشهود عدمية التعينات في وجوده عزّ وجلّ ، فتقوم الذات المقدسة في نظرهم بذاتها لا مع حضور شيء غيرها . ومعلوم أن بذلك تفنى الشيئية فلا يبقى شيء في نظرهم غيره